واشنطن تعتبر ان زلزال هاييتي انجز ما كان ينبغي على قواتها العسكرية انجازهخلال بضع ثوان, وبمثل لمح البصر, اسقط زلزال هاييتي مئات الالوف من الناس ما بين قتيل وجريح, وذلك بأن دمر المدن والقرى على رؤوس قاطنيها, مدمرا معها وسائل ووسائط خدماتها, ومشردا بالتالي الملايين من سكانها. لقد كان في خبطته العشوائية الخاطفة الرهيبة شاملا. فهو لم يميز بين قصر خطير وكوخ حقير, ولا بين امير او فقير. اما الناس فلم يملكوا من امرهم شيئا في الحيلولة دون وقوعه.
والحال ان الانسان لا دخل له في بدايات الحياة الكونية ونهاياتها, ولا حيلة له في امر مستقبلها ومصيرها, فهو لا يعرف شيئا عن تلك العصور الجليدية التي دامت مليارات السنين حيث لم يكن موجودا, وهو لا يستطيع شيئا ازاء عودة عصور الجليد ان كانت ستعود حيث لن يكون موجودا. ان عمر الحياة المجتمعية الانسانية لا يتجاوز العشرة الاف عام, اي انها مجرد ومضة في دورة الحياة الكونية الاجمالية الازلية الابدية.
لكن الانسان مسؤول بالتأكيد عن حياته وامنها ورفاهها, وهو يستطيع تنظيمها بأفضل شكل ممكن واجمل صورة ممكنة, انما على اساس القاعدة الفقهية البليغة التي توصي بأن يعمل الناس لدنياهم كأنهم يعيشون ابدا ولآخرتهم كأنهم يموتون غدا. ولا بد ان حادثا هائلا كزلزال هاييتي, ومن قبله اعصار تسونامي, يؤكدان اهمية العودة الى هذه القاعدة الفقهية العظيمة بصدد العمل للدنيا والآخرة.
غير ان القادة الكبار في بعض الدول العظمى برهنوا في تعاملهم مع كارثة هاييتي انهم بعيدون جدا عن التقاط مغزاها ودروسها, وعبرها بالمعايير الانسانية, فلا تمعن في دورة الحياة البشرية الصغرى المحكومة بدورة الحياة الكونية الكبرى, ولا اقرار بضرورة التواضع والتسليم بان الانسان كائن عاقل, ومخلوق خلاق, لكنه ليس الها وليس خالدا ولا يملك من امر وجوده وزواله شيئا! بل لقد اظهروا من تبلد احاسيسهم وسقم عقولهم, ومن خبث انتهازيتهم ووحشية ليبراليتهم ما يستدعي فعلا اشد القلق بصدد المصير البشري, اذا ما بقي هذا المصير في متناول ايدي هؤلاء وامثالهم.
لقد رأينا هؤلاء القادة بالامس, في مؤتمر كوبنهاجن الاممي, يتهربون من التزاماتهم بصدد مواجهة الاخطار البيئية التي يتعرض لها كوكب الارض, فاذا كان تهربهم ذاك يمكن تحمله, على امل ان يتغير موقفهم في مؤتمر لاحق, وعلى اساس ان الاخطار البيئية تتفاقم ببطء تفاقما غير مباشر وغير منظور, فان تعاملهم اليوم مع كارثة هاييتي لا يطاق, لانه لا يفسح مجالا لاي امل, فهذه الكارثة الساحقة الماحقة تمت خلال ثوان, وهي ممكنة الوقوع في اي لحظة وفي اي بلد من بلدان العالم, ومع ذلك فقد كان الهاجس الاول لاعظم الحكومات في اعظم العواصم هو الاسراع في الاستيلاء عسكريا على البلد المنكوب المدمر, بهدف استثمار الكارثة ماليا من جهة, عبر عمليات اعادة الاعمار التي هي الاسلوب الجديد للاستعمار, وبهدف تحويل هاييتي الى قاعدة عسكرية للعدوان ضد جيرانها من جهة اخرى.
ان حكومة واشنطن تنظر الى الزلزال على انه أنجز في هاييتي ما كان ينبغي على قواتها العسكرية انجازه, كما فعلت في العراق مثلا. وجدير بالذكر هنا ان القوات العسكرية الامريكية قامت باحتلال هاييتي عام ,1915 في عهد الرئيس وودور ويلسون (نصير الامم في تقرير مصيرها!). اما قائد عملية الاحتلال فكان الرئيس اللاحق فرانكلين روزفلت, الذي كان قائدا لمشاة البحرية (المارينز).
لقد تقرر حينئذ ان يستمر الاحتلال الامريكي لهاييتي تسعة عشر عاما, بموجب اتفاقية, ريثما تتحقق الديمقراطية, وفي العام التالي 1916 جرى احتلال الدومينيكان المجاورة ايضا, لتحقيق الديمقراطية ايضا! لقد كان روزفلت, مثل بوش, متحمسا لسياسة التدخل العسكري من اجل الديمقراطية, وفي عام ,1920 عندما ترشح عن الحزب الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس, راح روزفلت يتفاخر في خطاباته الانتخابية قائلا: هل تعلمون? لقد كان لي دور في ادارة جمهوريتين صغيرتين, والحقيقة انني شخصيا من وضع دستور هاييتي واعتقد انه دستور جيد!.
وفي تبريره لاحتلال هاييتي كتب روزفلت عام 1928 يقول: كان الرؤساء يقتلون والحكومات تهرب عدة مرات في السنة, ونحن لم نرسل مشاة البحرية (الى هاييتي) الا بعدما لقي كبير القضاة مصرعه. لقد نظفنا البيت, واستعدنا النظام, ونفذنا اشغالا عامة, وشكلنا حكومة تعمل على اساس صحيح وشريف! (تماما مثل كلام بوش في العراق وعن العراق!).
ان ما حدث عام ,1915 بغض النظر عن الدستور الديمقراطي الذي اعده روزفلت, هو ابرام تلك الاتفاقية التي فرضت على هاييتي حق المواطنين الامريكيين فقط في تولّي مهمات جباية الرسوم الجمركية, وتقديم المشورة للخزينة الحكومية, وايضا لقيادة الجيش والشرطة, وايضا لادارة الاشغال العامة!.
في عام 1933 اصبح روزفلت رئيسا للولايات المتحدة. وفي العام التالي 1934 زار هاييتي ووقع مع رئيسها سيتينو فنسنت اتفاقية تقضي بانسحاب القوات الامريكية, كما نصت الاتفاقية الاولى التي اعدّها وقعها هو بالذات قبل تسعة عشر عاما! ولعله لم يكن حينئذ مقتنعا بالانسحاب, لكنه كان ملزما, ربما بسبب وجوده في موقع المسؤولية في بداية ونهاية سنوات الاحتلال المتفق عليها! وها هو الزلزال يبرّر اليوم احتلال هاييتي ثانية ربما لعقود اخرى, انما من اجل اعادة اعمارها هذه المرة وليس من اجل الديمقراطية!.
| Comments |
|
Powered by !JoomlaComment 3.26

































